واحدٌ أو ربما اثنان في الصف يحسِنان الحديث,ويتحدثان بطلاقة ويبرعان في النقاش,
أحياناً يجدون من المعلمين استثارة إيجابية لتنطلق الأفكار في تناغم رائع,والأحيان
التي تغلب تُكمَمُ فيها أفكار البارعين المُحاوِرين.
هؤلاء الندرة الذين تخطوا مرحلة الصمت , ترعرعوا في كنف والدَيْن يثريان لغتهم
أولاً وأفكارهم ثانياً بعد تثبيت عقيدة صحيحة،فيقطفون الثمرة في أبناء تخطوا الخجل
والرهبة واجتازوا حصار الأفكار بمهاراتهم التي اكتسبوها في بيئة مثرية وتدربوا على إتقانها.
سأدع للقرّاء الكرام لحظة صامتة للإجابة على هذه الأسئلة: هل أنت متحدث بارع,وجريء
ولا تتردد في طباعة فكرتك شفوياً عبر حوار الآخرين؟
إذا كانت الإجابة بلا,فمن كمم فمك عن الحديث؟،وإن كانت بنعم فما الذي جعلك كذلك؟
كونوا متصالحين مع ذواتكم وتحدثوا بهمس خفي وفي صراحة وشفافية أجيبوا,
ثم فلنكمل ما بدأنا به مستحضرين إجاباتنا في كل سطر سنقرئه.
أُحدِثكم عن براعة الأطفال في الحوار التي نندهش إن وُجِدت,فهي قليلاً ما تحدث
في بيئة غلب عليها أن لا يتحدث الصغير بما في قلبه وعقله تحاصره في ذلك تهديدات
الوالدين أو من يعيش معهم,إما حرصاً على أن لا يصدر من أطفالهم أخطاء في حديثهم
مع الآخرين أو كما جرت العادة أن لا يتحدث الصغير في مجلس الكبار,
وكلا السببين لا مبرر لهما,ونجد أنفسنا مهما ادعينا المثالية نُحاصِر الصغار بمراقبة كلماتهم.
إن عواقب هذا التكميم وتلك الثقافة لا تتوقف عند المتربي,بل تتعداه إلى مجتمعه,
فمجتمع مبني على طوبٍ صامت مجتمع لا يبني حضارة،إنما تتعدى سلبيته حتى
على من سيتولى إنشاءهم من أجيال قادمة ,والصمت عن تعاطي الأمور والأحداث
مع الآخرين منذ الصغر يورِث في النفس الكسل والخمول وتتبلد على إثر ذلك القلوب.
إننا لنُربي الصغار على المسئولية علينا أولاً أن ندرك أن الحوارات تنمي فيهم هذا الحس
وترفع من دافعيتهم وإقبالهم على إصلاح ذواتهم أولاً ثم إصلاح المجتمع مستقبلاً,
على أن يكون التأسيس تابع لما تم غرسه في الطفل من ثوابت لا يتعداها,
منتبهاً إلى أن ليس كل حوار يستطيع أن يسترسل فيه ميزانه في ذلك الميزان الشرعي.
إنها دعوة لنفتح نوافذ الحوار مع الصغار,و نُشرِع قلوبنا لتبادل الأفكار معهم,
تمهيداً لجيل صاعد بنّاء,يستشعر الأمانة ويقف عند الخطأ ولا يقذف الكرة على الزجاج
,بل يرى ما وراء ذلك .
ختاماً , يردد والدي حفظه الله هذا المثل:” الحي يحييك والميت يزيدك غبن” !،
مختصراً رغبتنا في أن لا نساهم في تكاثر الطوب الصامت,بل ننشئ لبنات طرية حيّة تتفاعل مع بعضها .